القاضي التنوخي
21
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
إذا جئته ، وهو إذ ذاك على غاية الجلالة ، وأنا في حد الأحداث ، اختصّني . وكان يعجبه أن يقرّظ في وجههه ، فأفاض قوم في مدحه ، وذكر عمارته للوقوف ، والسقايات ، وإدراره الماء في ذنابة المسرقان « 1 » وتفريقه مال الصدقات على أهلها ، وذنّبت معهم في ذلك . فقال لي هو : يا بنيّ ، أرباب هذه الدولة إذا حدّثوا عنّي بهذا وشبهه ، قالوا : المنجّم إنّما يفعل هذا رياء ، وما أفعله إلَّا للَّه تعالى ، وإن كان رياء فهو حسن أيضا ، فلم لا يراؤون هم [ 8 ب ] بمثل هذا الرياء ؟ ولكنّ الطباع خسّت « 2 » ، حتى في الحسد أيضا ، كان الناس قديما إذا حسدوا رجلا على يساره ، حرصوا على كسب المال حتى يصيروا مثله ، وإذا حسدوه على علمه ، تعلَّموا حتى يضاهوه ، وإذا حسدوه على جوده ، بذلوا حتى يقال إنّهم أكرم منه ، وإذا . . . وعدّد أشياء كثيرة ، فالآن لما ضعفت الطبائع ، وصغرت النفوس ، وعجزوا أن يجعلوا أنفسهم مثل من حسدوه ، في المعنى الذي حسدوه عليه ، عدلوا إلى تنقّص المبرّز ، فإن كان فقيرا شنّعوا « 3 » على فقره ، وإن كان عالما خطَّأوه ، وإن كان جوادا قالوا هذا متاجر بجوده وبخّلوه ، وإن كان فعّالا للخير ، قالوا هذا مراء .
--> « 1 » المسرقان نهر بخوزستان عليه عدة قرى ومبدأه من تستر ( معجم البلدان 4 / 527 ) . وذنابة الوادي : الموضع الذي ينتهي إليه مسيله ، وهو ما يسمى الآن عند المزارعين في العراق ( البزايز ) ومفردها ( بز ) . « 2 » في ط : خبثت . « 3 » في ب وط : سعوا .